محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ما كنت تدري يا محمد أي شيء الكتاب ولا الإيمان اللذين أعطيناكهما . وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يقول : ولكن جعلنا هذا القرآن ، وهو الكتاب نورا ، يعني ضياء للناس ، يستضيئون بضوئه الذي بين الله فيه ، وهو بيانه الذي بين فيه ، مما لهم فيه في العمل به الرشاد ، ومن النار النجاة نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يقول : نهدي بهذا القرآن ، فالهاء في قوله " وبه " من ذكر الكتاب . ويعني بقوله : نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ نسدد إلى سبيل الصواب ، وذلك الإيمان بالله مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يقول : نهدي به من نشاء هدايته إلى الطريق المستقيم من عبادنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا يعني بالقرآن . وقال جل ثناؤه وَلكِنْ جَعَلْناهُ فوحد الهاء ، وقد ذكر قبل الكتاب والإيمان ، لأنه قصد به الخبر عن الكتاب . وقال بعضهم : عنى به الإيمان والكتاب ، ولكن وحد الهاء ، لأن أسماء الأفعال يجمع جميعها الفعل ، كما يقال : إقبالك وإدبارك يعجبني ، فيوحدهما وهما اثنان . وقوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإنك يا محمد لتهدي إلى صراط مستقيم عبادنا ، بالدعاء إلى الله ، والبيان لهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال تبارك وتعالى وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ داع يدعوهم إلى الله عز وجل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال : لكل قوم هاد . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : تدعو إلى دين مستقيم . صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يقول جل ثناؤه : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وهو الإسلام ، طريق الله الذي دعا إليه عباده ، الذي لهم ملك جميع ما في السماوات وما في الأرض ، لا شريك له في ذلك . والصراط الثاني : ترجمة عن الصراط الأول . وقوله جل ثناؤه : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ يقول جل ثناؤه : ألا إلى الله أيها الناس تصير أموركم في الآخرة ، فيقضي بينكم بالعدل . فإن قال قائل : أو ليست أمورهم في الدنيا إليه ؟ قيل : هي وإن كان إليه تدبير جميع ذلك ، فإن لهم حكاما وولاة ينظرون بينهم ، وليس لهم يوم القيامة حاكم ولا سلطان غيره ، فلذلك قيل : إليه تصير الأمور هنا لك وإن كانت الأمور كلها إليه وبيده قضاؤها وتدبيرها في كل حال . آخر تفسير سورة حم عسق [ تفسير سورة الزخرف ] القول في تأويل قوله تعالى حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . . . تَعْقِلُونَ قد بينا فيما مضى قوله حم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ قسم من الله تعالى أقسم بهذا الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ لمن تدبره وفكر في عبره ، وعظاته ، هداه ، ورشده ، وأدلته على حقيته ، وأنه تنزيل من حكيم حميد ، لا اختلاق من محمد صلى الله عليه وسلم ولا افتراء من أحد إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا